عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
438
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
المزين فقال منذ قعد الفقير بين يدىّ عقدت مع اللّه تعالى عقدا أن لا آخذ على حلاقته شيئا ، قال فأخذتها وذهبت بها إلى البحر ورميتها فيه وقلت فعل اللّه بك وفعل ، ما أحبك أحد إلا أذله اللّه ، رضى اللّه تعالى عن الثلاثة ونفعنا بهم * قلت : فالجواب عن اعتراض المعترض وإنكار المنكر وزعمه أن هذه إضاعة مال من ثلاثة أوجه أحدها : أن يكون فعل ذلك في حال ورد عليه وذو الحال الغائب غير مكلف . والثاني : أن يكون شهد سما مهلكا كل من صارت إليه فأتلفها كما تتلف الأفعى والثالث : أن يكون بإشارة مؤذنة بالإذن اضطرّته إلى ذلك بحيث لم يجد عنه محيصا ، واللّه أعلم * ومن ذلك حكاية أحمد بن الحوارى عندما أمره شيخه أبو سليمان الدارانى رضى اللّه تعالى عنه : أن يدخل في التنور وفيه النار لما كلمه وهو مشغول القلب وأكثر عليه من قوله يا أستاذي قد حمى التنور ، فقال اذهب فادخل فيه وكان عاهده أنه لا يخالفه في شئ فدخله ومكث ساعة ، ثم قال أبو سليمان الحقوا أحمد ، فأتوه وأخرجوه ولم يحترق منه شئ فالجواب عن هذا أنه علم بقوّة يقينه أن مراعاته للعهد المذكور وقيامه بالوفاء به يدفع عنه كل مخوف محذور ، وكسى حالا من اللّه تعالى هو فيه عن حرارة النار مستور * وقد روى عن بعض العارفين أنه قال : الصادق تحت خفارة صدقه ، يعنى إذا ارتكب المهالك عن صدق حماه صدقه عن الهلاك ، وانقلب ذلك الهلاك نجاة بإذن اللّه تعالى ، ومن ذلك قوله تعالى : ( قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ ) * ومن ذلك الحكاية التي تقدمت أيضا ، وهي أن بعضهم سافر للحج على قدم التجريد ، وعاهد اللّه سبحانه أن لا يسأل أحدا شيئا ، فلما كان في بعض الطريق مكث مدة لا يفتح عليه بشئ ، فضعف عن المشي ، ثم قال هذا حال ضرورة وقد قال اللّه ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ) وإذا لم أسأل انقطعت عن القافلة وهلكت بسبب الضعف المؤدى إلى العجز إلى الانقطاع المؤدى إلى الهلاك ، ثم عزم على السؤال ، فلما همّ بذلك انبعث من باطنه خاطر ردّه عن ذلك العزم ، ثم قال أموت ولا أنقض عهدا بيني وبين اللّه تعالى ، فمرّت القافلة ؟ وانقطع واستقبل القبلة مضطجعا ينتظر الموت ، فبينما هو كذلك إذا بفارس